ماهيته، وبياناته الإلزامية، وأحكام تداوله، وقوته التنفيذية
تمهيد
يُعدّ السند لأمر من أكثر الأوراق التجارية شيوعًا في التعامل اليومي داخل المملكة العربية السعودية، إذ لم يعد مقصورًا على التجار في معاملاتهم، بل امتد إلى عقود البيع بالتقسيط، والإيجارات، والقروض بين الأفراد، وضمانات حسن التنفيذ في العقود. ويرجع هذا الانتشار إلى ما يتمتع به السند من بساطة في الإنشاء، وقابلية للتداول، وقوة تنفيذية تتيح لحامله اختصار طريق التقاضي الموضوعي والتوجه مباشرة إلى قضاء التنفيذ. وقد نظّم المنظّم السعودي أحكامه في نظام الأوراق التجارية ثم عزّز قوته الإلزامية حين أدرجه نظام التنفيذ ضمن السندات التنفيذية. ويتناول هذا المقال ماهية السند لأمر وبياناته الإلزامية، والأحكام التي يخضع لها، وطرق تنفيذه والمنازعة فيه، ومدد تقادمه، مع بيان ما يميزه عن غيره من الأوراق التجارية. أولًا: ماهية السند لأمر وأطرافه
السند لأمر، ويُسمّى أيضًا السند الإذني، محرر مكتوب وفق أوضاع شكلية حددها النظام، يتعهد فيه محرره تعهدًا غير معلق على شرط بأن يدفع مبلغًا معينًا من النقود في تاريخ معين أو قابل للتعيين أو بمجرد الاطلاع، لأمر شخص آخر يُسمّى المستفيد. ويتميز السند لأمر عن الكمبيالة بأنه يقوم على علاقة ثنائية لا ثلاثية؛ فالكمبيالة تتضمن أمرًا من الساحب إلى المسحوب عليه بالدفع للمستفيد، أما السند لأمر فيتضمن تعهدًا مباشرًا من المدين نفسه بالوفاء، فيجتمع في شخص المحرر صفتا الساحب والمسحوب عليه. وعلى ذلك فإن أطراف السند لأمر عند إنشائه طرفان: المحرر، وهو المدين الملتزم بالوفاء، والمستفيد، وهو الدائن الذي يُدفع المبلغ له أو لأمره. ثم قد يتسع نطاق الأطراف بعد ذلك بتداول السند عن طريق التظهير، فيدخل فيه المظهِّرون والحامل الأخير، كما قد يدخل فيه الضامن الاحتياطي الذي يكفل أحد الملتزمين بالسند. ثانيًا: البيانات الإلزامية للسند لأمر
اشترط نظام الأوراق التجارية في مادته السابعة والثمانين أن يشتمل السند لأمر على بيانات محددة، أولها شرط الأمر أو عبارة «سند لأمر» مكتوبة في متن السند وباللغة التي كُتب بها، وثانيها تعهد غير معلق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود، وثالثها تاريخ الاستحقاق، ورابعها مكان الوفاء، وخامسها اسم من يجب الوفاء له أو لأمره، وسادسها تاريخ إنشاء السند ومكان إنشائه، وسابعها توقيع من أنشأ السند. وتظهر أهمية هذه البيانات في أن الورقة التي تخلو من أحدها لا تُعدّ سندًا لأمر بالمعنى النظامي، فتفقد ما يترتب على هذا الوصف من آثار، وأخصها القوة التنفيذية وقاعدة تطهير الدفوع، وإن جاز أن تبقى سندًا عاديًا بالدين يُحتج به أمام القضاء الموضوعي. غير أن المنظّم خفف من صرامة هذا الأثر في المادة الثامنة والثمانين، فقرر أن السند الخالي من تاريخ الاستحقاق يكون مستحق الوفاء لدى الاطلاع، وأن مكان إنشاء السند يُعدّ مكانًا للوفاء وموطنًا للمحرر عند خلوه من بيان مكان الوفاء، وأن السند الخالي من بيان مكان إنشائه يُعدّ منشأً في المكان المبين بجانب اسم المحرر. أما ما عدا ذلك من البيانات، كشرط الأمر والتعهد غير المعلق والمبلغ واسم المستفيد والتوقيع وتاريخ الإنشاء، فلا يُغني عنها شيء. ومن المسائل العملية المتكررة اشتراط بعض الدائنين تعهدًا معلقًا، كأن يُكتب في السند أن الوفاء يكون عند الإخلال بعقد معين أو عند عدم سداد الأقساط. والأصل أن تعليق التعهد على شرط يُفقد الورقة صفة السند لأمر، لمنافاته لطبيعة الورقة التجارية القائمة على التجريد والاستقلال عن العلاقة الأصلية، وهو ما ينبغي أن يتنبه له المتعاملون عند صياغة السندات المقدمة ضمانًا لعقود أخرى. ثالثًا: الأحكام المحال فيها إلى الكمبيالة
لم يُفرد المنظّم للسند لأمر تنظيمًا مستقلًا شاملًا، بل أحال في المادة التاسعة والثمانين إلى أحكام الكمبيالة فيما لا يتعارض مع طبيعة السند، ومن ذلك أحكام التظهير، والاستحقاق، والوفاء، والرجوع لعدم الوفاء، والاحتجاج وتعدد النسخ، والتقادم. وقررت المادة التسعون أن محرر السند لأمر يلتزم على الوجه الذي يلتزم به قابل الكمبيالة، فيكون مدينًا أصليًا بالوفاء في ميعاد الاستحقاق دون حاجة إلى قبول من أحد. ويترتب على هذه الإحالة أن السند لأمر قابل للتداول بطريق التظهير، فينقل المظهِّر بتظهيره جميع الحقوق الناشئة عن السند إلى المظهَّر إليه، ويضمن المظهِّر الوفاء ما لم يشترط خلاف ذلك. كما يجوز ضمان الوفاء بالسند ضمانًا احتياطيًا يلتزم به الضامن على الوجه الذي التزم به المضمون. ومن أهم الآثار المترتبة على هذه الإحالة قاعدة تطهير الدفوع، ومقتضاها أنه لا يجوز لمن أقيمت عليه الدعوى بالسند أن يحتج على الحامل بالدفوع المبنية على علاقاته الشخصية بالمستفيد أو بالحاملين السابقين، ما لم يكن الحامل قد قصد بحصوله على السند الإضرار بالمدين. وتُعدّ هذه القاعدة حجر الزاوية في الثقة بالأوراق التجارية، إذ تحمي الحامل حسن النية من الدفوع التي لا علم له بها، غير أنها لا تسري في العلاقة المباشرة بين المحرر والمستفيد الأول، فيبقى للمحرر أن يتمسك في مواجهة المستفيد بالدفوع المستمدة من العلاقة الأصلية بينهما. رابعًا: القوة التنفيذية للسند لأمر
أدرج نظام التنفيذ الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/53) وتاريخ13 / 8 /1433 هـ الأوراق التجارية ضمن السندات التنفيذية التي يجوز التنفيذ الجبري بموجبها، وذلك في مادته التاسعة. ومؤدى ذلك أن حامل السند لأمر المستوفي لبياناته النظامية لا يحتاج إلى استصدار حكم موضوعي بالدين، بل يتقدم مباشرة بطلب التنفيذ إلى محكمة التنفيذ المختصة، فيُبلَّغ المدين بأمر التنفيذ ويُمهل للوفاء، فإن لم يوفِ اتُّخذت في حقه إجراءات التنفيذ الجبري المقررة نظامًا، كالإفصاح عن أمواله، والحجز عليها، والمنع من السفر، وإيقاف الخدمات، وغير ذلك مما نص عليه النظام. وقد شهد التعامل بالسند لأمر تحولًا جوهريًا بإتاحة السندات الإلكترونية عبر منصة «نافذ» المعتمدة، حيث يُنشأ السند ويوقَّع إلكترونيًا بعد التحقق من هوية أطرافه، ويُحفظ في المنصة بما يحول دون التزوير أو ادعاء الضياع، ثم يُقدَّم طلب تنفيذه إلكترونيًا عبر منصة ناجز. وقد أسهم ذلك في الحد من كثير من المنازعات التي كانت تثور حول صحة التوقيع واكتمال البيانات في السندات الورقية، فضلًا عن تسريع إجراءات التنفيذ. خامسًا: منازعة المدين في السند لأمر
لا تعني القوة التنفيذية للسند لأمر انعدام وسائل الدفاع أمام المدين، فقد أجاز النظام لقاضي التنفيذ الفصل في منازعات التنفيذ، ومنها ما يتصل بالسند ذاته، كالدفع بانتفاء أحد البيانات الإلزامية، أو بتعليق التعهد على شرط، أو بانقضاء الدين بالوفاء أو المقاصة أو الإبراء متى كان ذلك ثابتًا بدليل كتابي، أو بالتقادم. كما يجوز للمدين الطعن في صحة توقيعه أو ادعاء تزوير السند، فتنظر المحكمة في ذلك وفق القواعد المقررة. أما الدفوع الموضوعية التي تتطلب بحثًا في العلاقة الأصلية بين الطرفين، كادعاء أن السند حُرر ضمانًا لعقد لم يُخلّ به المدين، أو أن مقابله لم يُستلم، فالغالب أنها تخرج عن نطاق قاضي التنفيذ، ويكون سبيل المدين إليها إقامة دعوى موضوعية مستقلة أمام المحكمة المختصة، مع ما قد يقترن بها من طلب وقف التنفيذ متى توافرت مسوغاته. ويتعين على المحامي في هذا المقام التمييز بدقة بين الدفع الذي يقبل الفصل فيه قاضي التنفيذ والدفع الذي يقتضي دعوى موضوعية، لأن الخلط بينهما من أكثر أسباب خسارة المنازعات التنفيذية. سادسًا: تقادم الدعاوى الناشئة عن السند لأمر
بمقتضى الإحالة إلى أحكام الكمبيالة، تسري على السند لأمر مدد التقادم المنصوص عليها في المادة السادسة عشرة بعد المائة من نظام الأوراق التجارية، فتتقادم الدعاوى الناشئة عن السند تجاه المحرر بمضي ثلاث سنوات من تاريخ الاستحقاق، وتتقادم دعاوى الحامل تجاه المظهِّرين بمضي سنة من تاريخ الاحتجاج المحرر في الميعاد النظامي أو من تاريخ الاستحقاق إن تضمن السند شرط الرجوع بلا مصروفات، وتتقادم دعاوى المظهِّرين بعضهم تجاه بعض بمضي ستة أشهر من اليوم الذي وفّى فيه المظهِّر السند أو من يوم إقامة الدعوى عليه. ومما يحسن التنبيه إليه أن انقضاء مدة التقادم الصرفي لا يعني بالضرورة سقوط الحق ذاته، بل يُفقد الحامل ما يمنحه السند من مزايا صرفية، ويبقى له المطالبة بالدين الأصلي وفق القواعد العامة متى أمكنه إثباته، وإن كان ذلك يقتضي سلوك طريق الدعوى الموضوعية بدلًا من التنفيذ المباشر. سابعًا: الفرق بين السند لأمر وغيره من الأوراق التجارية
يختلف السند لأمر عن الكمبيالة من حيث عدد الأطراف وطبيعة الالتزام كما تقدم، فالكمبيالة أمر بالدفع موجه إلى الغير، والسند لأمر تعهد شخصي بالدفع. ويختلف عن الشيك في أن الشيك أداة وفاء مستحقة لدى الاطلاع ويُسحب على بنك، في حين أن السند لأمر أداة ائتمان يغلب أن يكون مؤجل الاستحقاق ولا يُشترط أن يكون للمدين رصيد قائم وقت إنشائه. ومن أبرز الفروق العملية أن نظام الأوراق التجارية قرر عقوبات جزائية لإصدار شيك بلا رصيد، في حين لم يرتب عقوبة جزائية على مجرد عدم الوفاء بالسند لأمر عند استحقاقه، فيبقى الإخلال به إخلالًا مدنيًا يُعالج بطريق التنفيذ الجبري، ما لم يقترن بفعل مستقل يشكل جريمة كالتزوير أو الاحتيال. وأخيراً
يتبين مما سبق أن السند لأمر أداة نظامية بالغة الأثر، تجمع بين يسر الإنشاء وقوة التنفيذ، غير أن هذه القوة ذاتها تجعل التساهل في تحريره أو توقيعه محفوفًا بالمخاطر. فعلى المدين ألا يوقّع سندًا على بياض، وأن يحرص على أن يثبت في العقد الأصلي الغرض من السند إن كان مقدمًا ضمانًا، وأن يوثّق كل وفاء يجريه بدليل كتابي، وأن يطلب إلغاء السند أو استرداده فور السداد. وعلى الدائن أن يتحقق من اكتمال البيانات الإلزامية وخلو التعهد من أي شرط، وأن يُفضّل إنشاء السند إلكترونيًا عبر المنصات المعتمدة، وأن يراعي مدد التقادم فلا يتراخى في المطالبة حتى يفوته ما يمنحه السند من حماية. وبذلك يؤدي السند لأمر وظيفته التي أرادها المنظّم، أداةً لتيسير الائتمان وحفظ الحقوق، لا وسيلةً للنزاع والإضرار. كتبه المحامي والمستشار القانوني يحيى حسين اللغبي
هذا المقال معرفة عامة، وقضيتك حالة خاصة.
استشر محامياً متخصصاً قبل البناء على أي معلومة قانونية عامة.
احجز استشارتك