يُقيم المدعي دعواه في نزاع على عقار..ويُعدّ بيّناته ويحضر جلسته..ثم يُفاجأ بأن الدعوى لا تُسمع ..لا لضعف في حجته ..بل لأنه لم يُؤشِّر بها في السجل العقاري وهذه صورةٌ تتكرر في العقارات التي دخلت نطاق التسجيل العيني ومصدرها في الغالب تصوّرٌ خاطئ لطبيعة التأشير، وخلطٌ بينه وبين خدمات أخرى في منصات الهيئة العامة للعقار. وقد تداولت الأوساط المهنية في الآونة الأخيرة أدلةً وتقارير مختصرة في طريقة التأشير أصاب بعضها وجانب بعضها الصواب فرأيت أن أضع هذه الكلمة على ضوء نصوص النظام ولائحته. أولاً:نصت المادة السادسة عشرة من نظام التسجيل العيني للعقار الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/91) وتاريخ 19/ 9 / 1444هـ على وجوب التأشير بالدعاوى المتعلقة بحق عيني عقاري أو بتصرف من التصرفات الواجب تسجيلها متى تضمنت تغييراً في بيانات السجل ونصت بأن الدعوى لا تُسمع إلا بعد تقديم ما يثبت حصول التأشير بمضمونها. فالتأشير هنا شرطٌ شكلي لسماع الدعوى يتقدم النظر في موضوعها ولا تملك المحكمة تجاوزه وعلّة ذلك أن النظام منح السجل العقاري الحجية المطلقة في الإثبات بموجب مادته الرابعة فكان لازماً أن يُعلَم كل من يتعامل في العقار بوجود منازعة قد تغيّر بياناته، حمايةً له وحفظاً لمرتبة المدعي في آنٍ واحد. ثلاثة تصورات تحتاج إلى تصحيح أولها: الخلط بين التأشير بالدعوى وبين خدمة إضافة الحق أو القيد في منصة التسجيل العيني فتلك الخدمة مخصصة للحقوق الاتفاقية والقيود الثابتة بمستندات رسمية كالرهن والإيجار طويل المدة وتشترط موافقة الملاك وأصحاب الحقوق ولذلك لا تظهر الدعوى القضائية ضمن خياراتها والتأشير بالدعوى بطبيعته إجراءٌ يتخذه المدعي في مواجهة خصمه فلا يُتصوّر توقفه على موافقة المالك وسلوك ذلك الطريق إضاعةٌ للوقت ومخاطرةٌ بالدعوى. وثانيها: ما يرد في بعض ما يُتداول من أنه لا يمكن التأشير على عقار اكتسب الحجية المطلقة والصحيح أن هذا القول يصدق في نطاقه الخاص وهو الاعتراض على التسجيل العيني الأول إذ نصت المادة الحادية عشرة بأن هذا التسجيل يكتسب الحجية المطلقة خلال مدة لا تتجاوز سنة من نشر قوائم العقارات المسجلة وأنه لا يبقى للمتضرر بعدها إلا طلب التعويض دون إلغاء التسجيل أو تعديله. أما الدعاوى المتعلقة بالتصرفات والحقوق اللاحقة للتسجيل كدعوى بطلان بيع أو فسخه أو قسمة أو رهن أو هبة فالمادة السادسة عشرة توجب التأشير بها على العقار المسجل أياً كان بل إن هذه الدعاوى لا ترد أصلاً إلا على عقار مسج فتعميم ذلك القول على كل دعوى عقارية خطأٌ قد يُسقط حقاً. وثالثها: الاكتفاء بتقديم طلب التأشير والنص صريح في أن المعتبر لسماع الدعوى هو تقديم ما يثبت حصول التأشير لا ما يثبت طلبه وقد أجازت اللائحة التنفيذية لكل ذي مصلحة أن يطلب تزويده بما يفيد حصوله وهذا المستند هو ما يُرفع إلى المحكمة. ولكن الطريق الصحيح يبدأ الأمر بقيد الدعوى لدى المحكمة المختصة عبر ناجز ثم يُقدَّم طلب التأشير إلى السجل العقاري والجاري عملاً أن يُرسل إلى بريده الإلكتروني (infocs@rer.sa) متضمناً بيانات مقدم الطلب من رقم الهوية والجوال والبريد الإلكتروني وتاريخ الميلاد ورقم القضية وتاريخها وبيانات العقار المراد التأشير عليه مرفقاً به صورة صحيفة الدعوى مع بيان الأطراف أو ضبط الجلسة الأولى إن كانت قد عُقدت والوكالة إن قدّمه وكيل وتفيد التجارب المتداولة بأن الطلب يُعالج في نحو خمسة أيام عمل وإذا رُدّ لنقص وجب استكماله خلال ثلاثين يوماً وإلا عُدّ كأن لم يكن بحكم المادة العشرين من النظام ومن الحكمة المبادرة بالطلب فور قيد الدعوى لا قُبيل الجلسة. ومن الواجب التنبه له بأنه لا تنتهي العناية بالتأشير بصدور الحكم فالمادة السابعة عشرة تجعل الحق المقرر بالحكم النهائي حجةً على كل من تصرّف إليه أو ثبتت له بيانات في السجل بعد التأشير بشرط تسجيل الحكم خلال تسعين يوماً من من اكتسابه للقطعية. فإن فاتت المدة فات هذا الأثر وقد يجد المحكوم له نفسه أمام مشترٍ لاحق يحتج بالسجل.
ولئلا يصير التأشير وسيلةً لتعطيل التصرف في العقار بدعاوى لا أساس لها أجازت المادة ذاتها لكل ذي مصلحة أن يتقدم إلى المحكمة بطلب مستعجل لمحو التأشير، وتأمر المحكمة بمحوه متى تبين لها أن الدعوى كيدية. وهي ضمانةٌ ينبغي لوكيل المالك أن يستحضرها كما يستحضر وكيل المدعي واجب التأشير. وختاماً التأشير بالدعوى ليس ورقةً تُستكمل في آخر الملف بل هو بوابة سماع الدعوى وضمانة نفاذ الحكم معاً وحسن فهمه يقتضي التفريق بينه وبين خدمات الحقوق الاتفاقية وحصر قاعدة الحجية المطلقة في نطاقها والحرص على إثبات حصوله لا مجرد طلبه ثم تسجيل الحكم في أجله. بقلم المحامي والمسجل العقاري يحيى حسين اللغبي
هذا المقال معرفة عامة، وقضيتك حالة خاصة.
استشر محامياً متخصصاً قبل البناء على أي معلومة قانونية عامة.
احجز استشارتك